الشيخ السبحاني
560
بحوث في الملل والنحل
صالحاً وآخر سيّئاً ، واستمرّ على الطاعات والكبائر ، كما يشاهد من الناس ، فعندنا مآله إلى الجنّة ولو بعد النّار ، واستحقاقه للثواب والعقاب ، بمقتضى الوعد والوعيد من غير حبوط . والمشهور من مذهب المعتزلة أنّه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة ، فأشكل عليهم الأمر في إيمانه وطاعته وما يثبت من استحقاقاته ، أين طارت ؟ وكيف زالت ؟ فقالوا بحبوط الطاعات ، ومالوا إلى أنّ السيّئات يذهبن الحسنات » . « 1 » أقول : اشتهر بين المتكلّمين أنّ المعتزلة يقولون بالإحباط والتكفير ، وأمّا الأشاعرة والإماميّة فهم يذهبون إلى خلافهم . غير أنّ هنا مشكلة وهي أنّ نفيهما على الإطلاق يخالف ما هو مسلّم عند المسلمين من أنّ الإيمان يُكفِّر الكفر ، ويُدخل المؤمن الجنّة خالداً فيها ، وأنّ الكفر يُحبط الإيمان ويخلِّد الكافر في النار . وهذا النوع من الإحباط والتكفير ممّا أصفقت عليه الأُمّة ، ومع ذلك كيف يمكن نفيهما في مذهب الأشاعرة والإماميّة ؟ ولأجل ذلك ، يجب الدقّة في فهم مرادهما من نفيهما على الإطلاق ، وسوف يتبيّن الحال في هذين المجالين . هذا ، وإنّ القائلين بالإحباط اختلفوا في كيفيّته ، فمنهم من قال بأنّ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة ، وتمحوها بالكليّة ، من دون أن يكون لها تأثير في تقليل الإساءة ، وهو المحكيّ عن أبي عليّ الجبّائي . ومنهم من قال بأنّ الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة ، ولكنّه
--> ( 1 ) . شرح المقاصد : 2 / 232 .